الأكحل

الرأي|| إلى الأستاذة حليمة الجندي صاحبة رِسَالَة إِلَى صَدِيقِي الوَحِيد: مُحَمَد بنُ الحسن الجُنْدِي

بقلم: ذ. حسن الأكحل.

فاعل ثقافي، حقوقي ونقابي مغربي.

أعبر لكم ولعائلتكم، ككاتب عام سابق للمكتب الوطني لنقابة وزارة الثقافة وكمغربي، على أحر التعازي والمواساة في فقدان هذا الرجل المثقف، والفنان والمبدع والوطني الصادق، الذي استطاع طوال مساره الإبداعي والفني، أن يجعل له اسما متميزا، لن يجود الزمان بمثله، وأن الوطن فقد أحد أعرق المدارس الفنية المغربية العصامية.
كان مؤمنا بوطنه وتراثه وهويته. لم يسجل عليه، عبر تاريخه الفني، تخاذله أو تناقضه مع مواقفه الثابتة. كما أن دفاعه عن اللغة العربية والفن الراقي والكلمة الموزونة، وانتماؤه الأمازيغي العروبي الإسلامي الوطني، جعل منه أيقونة الفن المغربي الأصيل. ففي الوقت الذي كان فيه الكبار مثل محمد حسن الجندي والمهدي المنجرة ومحمد عابد الجابري رحمهم الله، كان الصغار يتربصون بكل ما هو جميل وأنيق وراق، ويجعلون الوطن رهينة لأنانيتهم الضيقة وجحودهم المقرف.
كم أحسست، كغيري، بالألم وأنا أتصفح كتاب ولد لقصور على أعمدة بعض الجرائد الأسبوعية المغربية، كيف استطاع هذا الفنان المثقف، أن يصيغ لنا تاريخ مجتمع بكل تمثلاته وتعابيره، في أرقى أسلوب ومعاني جمالية تجعله في مصاف الكتاب العظام .
وكم حز في نفسي رسالة وداع من ابنة ورثاؤها لوالدها، أن تعيدني الأيام والدموع تغالب عيني، حينما فقدت عزيزا غاليا، في أمسية رمضانية وعلى غفلة من أمري، جعلت الذكريات تهوي بآلامي في ذلك اليوم، الذي شعرت فيه وأحسست بكل يقين، أنه قد مات أبي، وفقدت فيه ذلك الظل الوارف من المعاني والحكم، رحمه الله ورحم سيدي محمد حسن الجندي.
أسلوبك المتميز، ورقة كلماته ولحظات الخشوع التي تلوح فوق الجمل، وصدقك في وداع سيدي محمد حسن الجندي، هي إشارة من مبدعة تخاطب روح مبدع في عظمة أبي الحكم العربي. ويا ليث قومي يفهمون هامة الكبار، ويعلمون ماذا فعل بنا الصغار، الذين حولوا كل جميل في هذا الوطن إلى مسخ ثقافي وردة فكرية يصعب علينا أن نعيد فيها أمثال ولد لقصور والمهدي المنجرة وصاحب العقل العربي وعزيز بلال، بل تسلط علينا رهط لا يحفظ للعالم مكانته، وللمبدع عذريته، وللمتصوف حلمه، وللمثقف قدره، وللفقيه قدسيته؛ بل حولوا أحلامنا إلى خراب وثقافتنا إلى ريع وفكرنا سطحي مزاجي خوار، ولم يعد لنا من سؤال سوى أين المآل؟ بعد أن كنا بالأمس أسياد هذه الأرض، ننتج الحضارة والعمران ونصيغها في أرقى معاني الرقي والعرفان.
وتفرقت بنا السبل، وأصبحنا نستجدي لقمة العيش وضنك الأيام، بعد أن اختل الميزان الفكري والتوهج الثقافي والعمق الحضاري والحس الوطني لدى بعض الأقزام، حماة الشيطان الذين يضبطون عقارب ساعاتهم حسب الهوى والمؤامرة والهوان، ورحم الله أبي الحاج محمد الأكحل، الذي جعلني أعتز بمغربيتي وأوصاني خيرا بهذا الوطن الأمة ورجالاته.

عن عبد الحليم صابر